الرئيسية / مدونات سريعة / المصري الخفي للمرة الثالثة

المصري الخفي للمرة الثالثة

في المدونة السابقة قدمنا تحليلًا لاستراتيجيات التقدم التي انتهجتها كل من اليابان، وماليزيا وسنغافورة، ورأينا كيف أن كل بلد كانت له استراتيجيته الخاصة به، وكل من هذه البلاد عملت على الحفاظ على الترابط الأسري فيها والأخلاقيات الحميدة في شعبها، واهتمت بإصلاح أوجه المجتمع وثقافته التي تحتاج إصلاحًا (مثل الكسل عند الماليزيين، أو غياب الادخار عند الماليزيين وسكان سنغافورة، أو عدم تناسق العرقيات المختلفة في ماليزيا). في كل الحالات إختار كل بلد المشكلة الأساسية التي أراد أن يركز عليها، وبني استراتيجيته عليها، فاختار اليابان التحضر، واختارت ماليزيا التقدم بالاقتصاد، واختارت سنغافورة أن تكون مركزًا اقتصاديًا عالميًا.في كل استراتيجية كانت هناك المشكلة الأساسية ، وبجانبها كانت المشاكل المساعدة، فعلى سبيل المثال لكي تصل ماليزيا إلى حل لمشكلتها الأساسية، وهي التقدم الاقتصادي، كان عليها أن ترتفع بمستوى البوميبترا كحل لمشكلة مساعدة، وأن تعمل على تناسق شعبها.

وهذا يصلنا إلى حال مصر. ما هي مشكلة مصر الأساسية التي إذا أوجدنا حلاً لها سنستطيع أن نتقدم بالبلاد؟

أعتقد أن مشكلتنا الأساسية هي الاقتصاد، وأننا لأسباب عدة من ضمنها سنوات الاستعمار، وغياب التقدم، والتبعية للغرب التي قادنا إليها في الماضي فساد رؤسائنا، فإننا نتصرف وكأن مشكلتنا الأساسية هي هويتنا الإسلامية، وليست الاقتصاد.

كذلك، لا يجب أن ننسى الحروب الإعلامية التي تشنها مجموعات مغرضة تسيء فيها إلى رسولنا (ص)، فعن طريق هذه الحروب الإعلامية يجعلوننا نركز على هويتنا الإسلامية وكأنها هي مشكلتنا الأساسية. وكل مرة، نقع مثل “الرطل” في الفخ الذي ينصبونه لنا.

لا استبعد أن تكون قوات خارجية من مصلحتها ألا نركز على الاقتصاد والتقدم هي التي تدفعنا أن نرى أن مشكلتنا الأساسية هي الحفاظ على هويتنا. ولأنني قد عشت سنين طويلة في الخارج وكان لي نشاطا كبيرًا في جامع الـ ICC في شمال شيكاغو فقد رأيت بعض حالات (ومحاولات) اختراق للتجمعات الإسلامية (والعربية أيضًا)، ورأيت كيف يوجه تفكيرهم واهتماماتهم بحرفية كبيرة. ولكن هذه مواضيع ليس مكانها المدونة.

قد نتساءل: ألا نستطيع أن نجمع بين الدين والتقدم بالاقتصاد باعتباره مشكلتنا الأساسية التي نحتاج أن نركز عليها؟

– أولاً، المنطق يقول إن المشكلة الأساسية أو الحل الأساسي، أو أي شيء نسميه “الأساسي” يعني أن هناك واحدًا فقط منه في مستوى “الأساسي”، فإذا تواجد أكثر من واحد لم يصبح “الأساسي”. والمنطق يقول إننا إذا أوجدنا بجانب العامل الأساسي عاملاً آخرا، فهذا العامل الآخر سينتقص من قوة العامل الأساسي، وكما يقول المثل الشعبي “صاحب بالين كذاب”،

– ثانيًا، أطلب منك أن تتصور رجلاً يضع قدمًا فوق ظهر حصان، وقدمًا فوق ظهر حصان آخر. كيف سيجري بالحصانين؟ لو اختلفت سرعتهما أو بعدا عن بعضهما سيقع، وإذا حاول أن يبقى فوق الحصانين سيضطر أن ييطئ من سيرهما حتى يحافظ على توازنه. أليس من الأفضل له أن يركب حصانًا واحدًا، ويجر الآخر ويمرح بهما بأقصى سرعة ليصل بهما معًا الإثنين إلى نهاية السباق ويكسب؟ لذا، رأيي أن نركز على الاقتصاد، تركيزًا تامًا.

– ثالثًا، أنا لا اعتقد أن مشكلتنا الأساسية هي مشكلة دين، أو غياب دين. ربما تكون غياب أخلاقيات وهذا الموضوع له حله، ولكن من يرون أن مشكلتنا الأساسية هي مشكلة غياب دين، ففي رأيي أنهم يريدون أن يفرضوا بالقوة رؤيتهم للدين لسبب من سببين:

o إما لأنهم أصلاً لم يتعودوا تقبل التنوع في الفكر وتقبل الآخر، وينتج عن فكرهم هذا أن يتفشى النفاق في المجتمع لأن أصحاب الأمر فيه يستندون إلى المظهر الخارجي من لبس الحجاب، وإطلاق اللحي للتأكيد أنهم قد وصلوا فعلاً إلى هدفهم في جعل المصريين أكثر إسلامًا. ويلاحظ هنا أن النفاق يُضعف المجتمع لأنه يهدر طاقته عندما يضطره للحفاظ لنفسه على صورتين بدل الصورة الواحدة، وهما صورته الحقيقية التي يخبئها، والصورة التي يظهرها وينافق بها.

o أو لأنهم كما رأينا في مدونة “مصر والعشوائية” هم أفراد لم يُكونوا اعتزازًا صحيًا لأنفسهم ناتجًا من تاريخ إنتاج زرع فيهم الثقة بالنفس، ولذلك، هم في حالة بحث عن الاعتزاز بالنفس، والرجاء ملاحظة وصف “في حالة بحث”. وفي طريق بحثهم هذا يتجهون إلى الدين لقربه ولحميميته بالنفس. هل هناك أجمل من الاحساس بأنك تعرف حقيقة الدين الصحيح وأنك تهدي “الضالين” إلى صحيح الطريق؟ فأنت أفضل منهم، ويملؤك هذا الفكر بالفخر والاعتزاز، فنجد من هؤلاء الأفراد من يقوم بالدعوة بالحسنى في الجوامع وفي التلفزيون، ومنهم من يفرض رؤيته بالقوة مثل جماعة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. وبما أنهم “يهدون” أفرادًا أيضًا لهم رؤيتهم للدين، فالهداية بالقوة قد توصل للجريمة كما رأينا في قصة مهندس السويس، أو قد توصل للعنف كما نرى في بلاد مثل أفغانستان والصومال، كفى الله مصر شر مصير هذه البلاد.

– رابعًا، علينا أن نعي جيدًا أننا إذا اخترنا في وقتنا هذا أي حل لمشكلتنا الأساسية غير الحل الاقتصادي فنكون مسئولون تمامًا عما سيأتي لبلدنا من ضرر.

هنا نأتي للسؤال التالي: ما هي المشكلات المساعدة التي إذا تغلبنا عليها ساعدت على تقدم الاقتصاد وتقدم البلد؟ أرى أن هناك 5 مشكلات مساعدة:

– العشوائيات: مشكلة العشوائيات عقبة كبيرة في طريق تقدم مصر كما كانت مشكلة البوميبترا عقبة في طريق تقدم ماليزيا، بفرق كبير وهو أن البوميبترا كمجتمع كان لا يزال يحتفظ بترابطه الأسري، وأخلاقياته، ولم يكن قد انحدر إلى حال العشوائيات. أما نحن فقد أهملنا هذه الفئة من المجتمع حتى تفاقمت المشكلة، واصبحت مشكلة مركبة، وحل المشكلة لا يكمن في هدم العشوائيات وبناء عمائر اسمنتية مكانها، ولكن يكمن في التقدم بسكان العشوائيات. لقد درست هذا الموضوع باستفاضة في الست سنوات الماضية، وسأقدمه في مدونات لاحقة.

– التكاثر السكاني: لن نرى أي فائدة للتقدم بالاقتصاد ما دام التكاثر السكاني في اطراد مستمر. فلكي تتقدم مصر يجب أن تتحكم في التكاثر السكاني فيها، والسؤال المهم الذي نسأله لأنفسنا: كيف ستتعامل الحكومات مع هذه المشكلة الخطيرة؟ علمًا بأن من يتكاثرون هم سكان العشوائيات والفقراء وهي الفئات التي ستتطلب الكثير من المال والمجهود لتأهيلها والارتفاع بمستواها. هل هذا مثال للحصانين التي يصعب مزامنتهما في المثل الأعلى؟ فالمنطق الاقتصادي يحتم علينا أن نحدد النسل، ولكن من ناحية الدين سيقول لنا شيوخ الجوامع “لا تحددوا النسل، كل طفل يأتي ورزقه معه”. فأي منطق سيتغلب أم سنغمض أعيننا عن المشكلة حتى نقع بين الحصانين؟

– التعليم: حالة التعليم رديئة، والكل يتفق على هذا التقييم. مالا يتفقون عليه هو الحل. وكما شرحت في مدونة “لماذا تتقدم بعض البلاد، ولا تتقدم بلاد أخرى مماثلة؟ طبائع اقتصادية (2)” فالتعليم الحالي يستند إلى الحفظ والتلقين، وهو نظام عقيم للغاية. من يريدون أن يستحوذوا على قضية التعليم في مصر الآن يريدون أن يأخذوا التعليم إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة الفهم، وهذا شيء حسن، ولكنه ليس الحل، لأن ما لا يتفهمونه أن نظم التعليم في كثير من البلاد النامية قد تعدت هذه المرحلة التي يسعون إليها، وهذه النظم في البلاد النامية اصبحت تنافس الدول المتقدمة في التفنن والابداع. فبجانب ماليزيا والهند وتركيا، سنرى في منطقتنا في المستقبل القريب تقدمًا ملموسًا في التعليم في الإمارات، وقطر والأردن. وأنا أتابع هذا التقدم، وكنت أتمنى أن تأخذ مصر مكانتها في هذا المجال. ومرة أخرى أؤكد مقولة أمارتيا سن Amartya Sen المأثورة Development as freedom أي يجب أن تكون هناك حرية حتى يتقدم المجتمع، وألا سنحاول في حالة الحصانين أن نسير بهما ببطء حتى لا نقع بينهما.

– سيادة القانون: موضوع نتفق جميعًا عليه. ما لا نتفق عليه هو متى نبدأ في التطبيق؟

– الثقافة والهوية: أوافق من يشجع الحفاظ على الهوية، ولكن يجب أن نختار كيف نحافظ عليها. فالحفاظ على الهوية لا يعني ألا نتقن اللغة الانجليزية والا ندرس بها، ولكن يعني ألا تكون لافتات المحلات كلمات إنجليزية وأن نتهاون في تدريس لغتنا في مدارسنا، وكأن ليس لنا لغة. وفي رأيي الحفاظ على الهوية يأتي من الاعتزاز بالنفس، فمن يعتز بنفسه يحافظ على هويته، ولكن الحفاظ على الهوية لا يأتي بالقوة وبالحجر على الشباب. أرى أن هذه المعاملة تأتي بعكس المفعول.

هنا قالت شهرزاد: “لقد فتحنا مواضيعًا كثيرة، وأنا سعيدة أننا أكدنا على العناية بالمواطن المصري، وزرع الاعتزاز الصحي فيه، وللكلام بقية”، وسكتت عن الكلام المباح.

د. سهير الدفراوي المصري

www.anawanahnoo.blogspot.com

عن admin

شاهد أيضاً

أفكار في العمل: 3- كيف دخل الفيل الحجرة؟

مصر تمر بفترة صعبة تحتاج أن نركز فيها على التنمية. وعندما نتكلم عن عوامل التنمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *