تحية كاريوكا

عندما كتبت المدونة السابقة تذكرت قصة قرأتها للكاتب الفلسطيني-الأمريكي إدوارد سعيد، احب أن اقصها هنا لصلتها بالموضوع السابق. 
 
عندما هاجرت أسرة إدوارد سعيد من فلسطين في أربعينيات القرن الماضي جاءت إلي مصر وعاشت فيها حتى الخمسينيات. وفي هذه الفترة عندما كان إدوارد سعيد يبلغ من العمر عشر أو اثنتي عشرة سنة كان شديد الاعجاب بتحية كاريوكا.
 
كبر إدوارد سعيد واصبح استاذًا مرموقًا في جامعة كولومبيا وفي عالم الثقافة العربية والعالمية، وعندما علم بوفاة تحية كاريوكا طلب من سكرتيرته أن تحضر له كتابًا عن حياتها. بحثت السكرتيرة عن طلبه ورجعت لتقول له أنه لا توجد كتب عن حياة تحية كاريوكا، فكتب مقالة أسماها: Ode to a Belly Dancer أو قصيدة إلى راقصة شرقية، أقدم منها القطعة التالية:
 
“There exists no complete record of Tahia’s films, no bibliography, no proper biography—and there probably never will be. All the Arab countries that I know don’t themselves have proper state archives, public record offices, or official libraries any more than they have a decent control over their monuments, antiquities, the history of their cities, individual works of architectural art like mosques, palaces, schools. This realization (gives rise to) a sense of a sprawling, teeming history off the page, out of sight and hearing, beyond reach, largely irrecoverable. Our history is mostly written by foreigners, visiting scholars, intelligence agents, while we do the living, relying on personal and disorganized collective memory, gossip almost, plus the embrace of a family or knowable community to carry us forward in time. Tahia seems to me to embody that beyond-the-boundary life for the Arabs today.” 
 
وترجمتها إلى اللغة العربية:
 
“لا يوجد سجل كامل لأفلام تحية كاريوكا ولا توجد ببلوغرافيا، وعلى الأرجح لن تكون هناك أبدًا. كل الدول العربية التي أعرفها لا تملك محفوظات صحيحة للدولة، أو مكاتب سجل عام ، أو مكتبات رسمية، ولا يملكون سيطرة لائقة على مبانيهم، أو آثارهم، أو تاريخ مدنهم، أو على الأعمال الفردية من الفن المعماري مثل المساجد والقصور والمدارس. إن ادراك هذا يعطينا الاحساس بتاريخ مترامي الأطراف يعج خارج الصفحة، بعيد عن الرؤيا وعن السمع، بعيد عن المنال وغير قابل للاسترداد. وفي الأغلب نجد أن من يكتب تاريخنا هم الأجانب، والعلماء الزائرون، وعملاء المخابرات، بينما نحن نعيش ونستند إلى الذاكرة الشخصية والجماعية، غير المنظمة، وهي تقريبًا القيل والقال، ونستند بالإضافة إلى أحضان أسرة أو مجتمع يعرفنا فيأخذنا معه أمامًا في الزمن. يبدو لي أن تحية تجسد حياة خارج الحدود، حياة العرب اليوم.” 
 
تعالوا نتمعن ونتفكر فيما قرأنا. 
 
يلاحظ إدوارد سعيد أننا لا نعطي أهمية كافية لأشياء مهمة نمتلكها مثل آثارنا، وأعمال فردية من فننا المعماري مثل المدارس والقصور والمساجد، ويلاحظ أيَضًا أننا لا نهتم بتاريخنا فلا نحافظ على سجلات عامة أو على تواريخ مدننا، أو على تاريخ فنانينا مثل تاريخ تحية كاريوكا. فينتج عن ذلك أن من يكتب تاريخنا هم الأجانب بينما نحن نمضي في حياتنا مستندين إلى حب العائلة، في الوقت الذي تدور فيه حياتنا خارج صفحة كتاب التاريخ ولا تؤرخ.
 
وتأكيدًا لكلام إدوارد سعيد نجد أنه لأكثر من عشرين عامًا بعد وفاة مطربة الشرق المبدعة أم كلثوم في عام 1975 لم يُسجل تاريخها في كتاب أو في فيلم وهي التي اشجت الملايين من المصريين والعرب لعشرات السنين، وفي عام 1996 اخرجت المخرجة ميخال جولدمان Michal Goldman وهي أمريكية، مصرية الأصل، يهودية الديانة، أخرجت الفيلم التسجيلي “أم كلثوم، صوت مثل مصر” Um Kulthum, a Voice Like Egypt ، فربما كان هذا العمل حافزًا للتلفزيون المصري أن يسجل هو أيضًا تاريخ أم كلثوم فاظهر عام 1999 مسلسلاً عن حياة أم كلثوم، وتلت ذلك فترة توسع في اهتمامنا بتاريخنا المعاصر، فأصبحنا لا نكتفي بتوثيق حياة الرؤساء مثل عبد الناصر والسادات، ولكن تطرقنا إلى شخصيات عامة مثل أسمهان، وحسن البنا.
 
لقد تعودت بعد أن ألاحظ شيئًا أن ألتفت إلى تفهم أسبابه، لذلك، أجد نفسي أتساءل:
 
– لماذا لا نهتم بالأشياء المهمة الجميلة التي نمتلكها؟ ما سبب عدم اهتمامنا؟ 
 
عندما نتفكر في الاهتمام نعرف أنه تواصل بين من يهتم بالشيء والشيء المهتم به وينتج عن وجود صلة أو تشابه بينهما، ويعكس الصورة التي نكونها في وجداننا لأنفسنا، لمن نحن. فعندما نهتم بالأشياء المهمة الجميلة التي نمتلكها، أو نهتم بإنتاجنا أو بما نعمل نحن نهتم بهذه الأشياء لأننا نرى فيها صلة بنا، وبما أننا نعتز بأنفسنا فنحن نعتز بهذه الأشياء ونحن نهتم بالعمل كامتداد لأنفسنا، والعكس الصحيح، فعندما لا نهتم بالأشياء الجميلة المهمة التي نمتلكها، أو لا نهتم بعملنا ولا نتقنه فصلته بنا متواجدة ولا نستطيع أن ننفيها، ولكننا لأننا لا نعتز بأنفسنا فنحن لا نعتز ولا نهتم بالأشياء المهمة الجميلة التي نمتلكها ولا نهتم بعملنا ولا نتقنه. 
 
أفكار صعبة تجعلنا نتفكر كثيرًا. وبدلا من أن نتوه في متاهات “لماذا الحال كذلك؟ وهل سبب عدم اعتزازنا بأنفسنا وبعملنا هو سنوات الاستعمار؟ أو.. أو..؟”، الأفضل أن نتعلم كيف نحافظ على الأشياء الجميلة المهمة التي نمتلكها، وأن نهتم بما هو متصل بنا من تاريخنا المعاصر، أن نتقن ونعلم أولادنا أن يتقنوا كل عمل يقومون به، ونربي فينا جميعًا صلتنا بعملنا. 
 
هنا قالت شهرزاد: ” هذا ما يجب أن نهتم به”، وسكتت عن الكلام المباح. 
 
د. سهير الدفراوي المصري
 

www.anawanahnoo.blogspot.com
www.facebook.com/SouheirElmasry
twitter.com/Souheir_Elmasry

عن admin

شاهد أيضاً

أفكار في العمل: 3- كيف دخل الفيل الحجرة؟

مصر تمر بفترة صعبة تحتاج أن نركز فيها على التنمية. وعندما نتكلم عن عوامل التنمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *