الرئيسية / التحليل والفكر المنظم / رؤية لمشروع تطوير العشوائيات

رؤية لمشروع تطوير العشوائيات

لكي نعمل على تطوير العشوائيات يجب أن نكون متفقين على ما هي العشوائيات، وتكون عندنا فكرة عن الجهود التي قامت بها البلاد الأخرى في مجال تطوير العشوائيات حتى لا نضيع مجهودنا فيما اكتشفه الآخرون، وبعد ذلك، نُكون رؤية لما نريد أن نصل إليه، وفي هذه الرؤية نوجد أماكن للمشاريع المختلفة تبعًا للرؤية التي تكونت، وليس العكس، أي لا نحاول أن نكون رؤية من المشاريع المطروحة.
 
عندما نسأل: ما هي العشوائيات؟ نعرف أن “العشوائيات ليست فقط مساكن من صفيح أو حوارى ضيقة ملتوية، بل هي
طبيعة لا تحترم النظام، ولا تعرف المواظبة على العمل، وتمل بسهولة، ويقال أن العشوائية هي ضياع الثقافة وقلة الاعتزاز بالنفس.”
 
وقد كتبت هذا الكلام في “قصة جميلة من فنزويلا” بتاريخ 2 نوفمبر 2010 في هذه المدونة، مدونة “أنا ونحن”: www.anawanahnoo.blogspot.com
 
وهذا الوصف لا يعني أن كل من يعيشون في العشوائيات هم كذلك، ولكنه يعني أن كثير منهم مقارنة بمن يعيشون خارج العشوائيات هم كذلك. 
 
العشوائية إذًا ليست قلة تنمية، فالعشوائية هي التي تولد الفقر، وليس الفقر هو الذي ينتج العشوائية، فإذا كان هناك شعب فقير ولكنه منظم ويحترم نفسه ويعتز بها ويثابر في العمل، فهذه الصفات ستساعده على الخروج من دائرة الفقر، لذا لا نجد عشوائية في بلاد شديدة النظام مثل اليابان، قد نجد بعض الفقر، ولكن هذا الفقر لا يولد عشوائية، فصفات النظام، والاعتزاز بالنفس والاحترام تقف حاجزا أمام الانحدار إلى العشوائية. وفي واقع الأمر، نحن نرى في مصر العشوائيات والتصرف العشوائي ليس فقط في الأحياء العشوائية الفقيرة ولكن أيضًا في الأحياء غير الفقيرة، كذلك، نرى كثيرًا من شباب العشوائيات الذين نعلمهم الحرف أو حتى ممن يتخرجون من الجامعة لا يداومون على العمل، لأن طبيعتهم العشوائية تجعلهم يملون العمل، ولا يواظبون عليه.
 
كذلك، العشوائية ليست قلة تعليم، بل على العكس فالعشوائية هي التي تخلق قلة التعليم إذ تجعل صاحبها يمله ولا يواظب عليه، وللأسف، هناك بعض العشوائية عند كثير من شعبنا.
 
العشوائية إذًا هي طبيعة ينقصها النظام والمثابرة على العمل لأنها في الأصل ينقصها احترام النفس والاعتزاز بها، وهذا عدم احترام النفس يأتي نتيجة لعدم الاحترام السائد في مجتمعها، حيث لا يحترم الأهل أولادهم، وحيث لا يحترم القوي أو الغني من هم أقل منه، وبما أنها لا تثابر على العمل وعلى التعليم فهي لا تعطي لنفسها اسبابًا للاعتزاز فتدخل في دائرة مفرغة من عدم الاعتزاز بالنفس.
 
ما الحل إذ؟ 
 
الحل يأتي على 3 مستويات: 
 
1- على مستوى المشاريع المختلفة التي تقام لتطوير العشوائيات، هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار أن تؤسس هذه المشاريع على قاعدة من الاحترام، احترام ساكني العشوائيات بعد تطويرها، فعلى سبيل المثال عندما تُبنى المساكن في مشروع تطوير العشوائيات لا تُبنى مثل أماكن تربية الأرانب، فتُبنى شققًا فقط ليعيش ويتوالد فيها السكان، ولكن تُبنى مبانٍ تحترم آدمية ساكنيها مكونة من common areas أو أماكن للاجتماعات مثل auditorium، وليس فقط الحدائق.
 
كذلك، نستمع لساكني العشوائيات ولما يريدون في مجتمعهم، ونجعلهم يشاركون في بناء مجتمعهم. لا نعطيهم بناءً جاهزًا بل نجعلهم يعملون معنا ليشعروا بثمن النجاح، ولنؤهلهم ليكونوا هم قادة مجتمعهم.
 
2- على مستوى الأطفال والأهل نقدم برامج تساعد في غرس النظام في الأطفال والمثابرة وغرس الاعتزاز بالنفس والاحترام مثل برنامج “أنا ونحن” الذي يربي في الأطفال الاعتزاز بالنفس والنظام ومهارات حياتية تساعد على الخروج من العشوائيات، أو نقدم برامج موسيقية أو رياضية والفكرة هنا ليست تعليم الموسيقى أو الرياضة بل تعليم الأطفال المثابرة في العمل، والكفاح والتغلب على سهولة الملل، فهكذا نتغلب على صفة العشوائية، وفي هذا السياق لقد عملت أرجنتينا على التغلب على العشوائيات عن طريق مشروع “السيستما” الذي بدأه بروفسور إبرو وتصدره أرجنتينا إلى كثير من بلاد العالم، وهو برنامج موسيقى كلاسيكية يتعلم فيه الأطفال لساعات طويلة يوميًا كيف يلعبون الموسيقى الكلاسيكية ويكونون فرقًا موسيقية عالمية، فيتعلمون الصبر والمثابرة، وعندما يقدمون انتاجهم في حفلات موسيقية يزيد هذا من اعتزازهم بأنفسهم.
 
3- على مستوى المجتمع، يجب التأكيد في الإعلام وفي الجوامع وفي المدارس على صفات النظام والاحترام والمثابرة في العمل، فقد اثبتت الدراسات أنه لكي نغير من ثقافة شعب يجب أن نحاربها من أكثر من وجه، والأفضل أن نواجهها من 3 أوجه على الأقل، فتغيير الثقافة شيء ليس هينًا، وبالأخص في حالة العشوائيات حيث هناك أجيال قد تربت فيها وليس عندها ذكرى لحياة غير حياة العشوائيات. فعندما يرى ساكن العشوائيات أن هناك هيئات مختلفة في حياته مثل الإعلام والجوامع والمدرسة كلها تؤكد على النظام وتتعامل معاه باحترام سيبتدأ يحترم نفسه ويبدأ أول خطوة في طريق الخروج من العشوائيات.
 
لقد اهملنا العشوائيات لسنين عدة حتى تأصلت فينا، واصبحنا جميعًا إلى حد ما عشوائيين، حتى من لا يعيشون في العشوائيات. لذلك، لن يكون من السهل استئصالها من مجتمعنا. لن نستطيع استئصالها عن طريق رصف الشوارع وبناء الحدائق والمدارس، فكل هذه هي أعراض المرض وليست سبب المرض. إذا لم نعمل على استئصال سبب المرض، سنرصف الشوارع ونبني مشاريع التطوير لتأتي عشوائية السكان الجدد الذين لم يتغيروا لتهملها وتهدها وترجعنا لنقطة الصفر، لذا، في الوقت الذي نقوم فيه بمشاريع تطوير العشوائيات علينا ألا ننسى أسباب العشوائيات، وأن نعمل على التغلب عليها. 
 
وهنا قالت شهرزاد: “علينا أن نؤكد على الاحترام والنظام والمثابرة على العمل لنتغلب على العشوائيات”، وسكتت عن الكلام المباح.
 
د/سهير الدفراوي المصري

عن admin

شاهد أيضاً

أفكار في العمل: 3- كيف دخل الفيل الحجرة؟

مصر تمر بفترة صعبة تحتاج أن نركز فيها على التنمية. وعندما نتكلم عن عوامل التنمية …

تعليق واحد

  1. دكتورة سهير
    تحياتى لك

    من الممتع ان أقرأ مقالاتك التى تتحدث عن النظام والاحترام …… فكلها أصبحت صفات نفتقدها فى أغلب أفراد الشعب، ومع تدهور الحال السياسي والأمنى بمصر الآن ، ظهر لب كل فرد مصري على حقيقته، فالاشخاص المحترمين والمنظمين ظلو هكذا، وأما غيرهم فقد انكشف أمام نفسه

    وأعتقد أن هذا هو الوقت المناسب ليعلو صوتك بتعليم النظام واحترام خصوصيات الآخرين
    لكن عندى سؤال : كيف نتعلم النظام والاحترام والصدق مع النفس والصدق مع الآخرين؟؟؟؟؟ وكيف نطبقه؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *