الرئيسية / العلاقات / نظرية العقل والتلفزيون ونضوج الطفل

نظرية العقل والتلفزيون ونضوج الطفل

أنا من الناس الذين يقدرون خطر اسراف الأطفال في مشاهدة التلفزيون، وفي كتابي “مخاطر التلفزيون على مخ الطفل” أكدت على ضرر هذا الاسراف من حيث أنه يؤثر على طريقة تفكير الأطفال، وأيضًا من حيث نواحي كثيرة من ضمنها صفات الطفل الاجتماعية، فالأطفال الذين يسرفون في مشاهدة التلفزيون يقتطعون من وقت كان من المفترض أن يقضونه مع أطفال آخرين يلعبون معهم ويتشاجرون ثم يتصالحون معهم، فينمون صفاتهم الاجتماعية. وعندما يقتطعون من وقت نشاطهم الاجتماعي لمشاهدة التلفزيون فهذا قد يزيد من أنانيتهم.

وقد داومت على مراقبة الأبحاث الجديدة التي تظهر فوائد أو أضرار الاسراف في التكنولوجيا التي نستعملها مثل التلفزيون والكمبيوتر، والألعاب الالكترونية، والتغريدات، وغيرها. 

منذ بضعة أشهر قرأت عن بحث علمي يقدم ضررًا جديدًا يظهر عند الأطفال عندما يسرفون في مشاهدة التلفزيون، ولكن قبل أن أقدم هذا البحث نحتاج بعض الخلفية عن تكوين وتنمية فكر الأطفال.

إلى سن السنتين يفكر الطفل فقط في نفسه. ينظر إلى نفسه على أنه مركز العالم، والعالم كله يدور حوله. يهتم فقط بما يريد من أكل أو شرب أو لعب أو نوم، ولا وجود لعالم خارج عالمه. وهذا التركيز على النفس مطلوب في طفل هذه السن لأنه كائن صغير وضعيف ويحتاج أن يركز كل طاقته للحفاظ على سلامته.

عند سن الثلاث سنوات نجد أن الطفل الذي بدأ يلاحظ أن هناك عالمًا خارج عالمه، بدأ يلاحظ تعقيدات العلاقات بين الأفراد في هذا العالم وبدأ يكون نظريات عما يلاحظه. فيكون نظرية أن دور الأم هو الطبيخ في المطبخ والعناية بأخيه الصغير، وأن دور الأب هو الشخط، وأن دور الدكتور هو إعطاء الحقنة للطفل ودور الطفل هو البكاء عندما يأخذ الحقنة، فنقول هنا أن الطفل قد نضج إلى مرحلة نظرية العقل theory of mind أي أنه لا يلاحظ فقط بل بدأ يكون النظريات حول عقول الآخرين عما ماذا قد يكون تفكير الآخرين، أو شعورهم، أو ماذا ينوون أن يعملوا. 

نظرية العقل مرحلة من نضوج الطفل وتظهر في شكل لعبة التظاهر التي يلعبها مع الأطفال الآخرين، فيلعب دور الأم التي تقطع البصل وتطبخ في المطبخ أو يلعب دور الدكتور الذي يعطي الحقنة. ولعبة التظاهر هذه دليل على أن الطفل قد بدأ ينضج ويخرج من عالمه، وبدأ يعرف أن هناك عالم آخر يعيش فيه ويختلف عن عالمه الخاص، فيه “آخرون” غيره، لهم عقول مختلفة، ويقومون بأعمال مختلفة، وهو بلعبته هذه يتواصل معهم.

ونحن نشجع الأطفال أن يلعبوا لعبة التظاهر وأن يخرجوا من عالمهم الخاص ويتعلموا تطبيق نظرية العقل، فهذا دليل أنهم في طريق نضوجهم العقلي والعاطفي. 

إذا كانت نظرية العقل مهمة لنضوج الطفل فكيف نقيم أن الطفل قد خرج فعلاً من قوقعة عالمه، وهل نحتاج للتأكد من ذلك أن ننتظر حتى نراه يلعب لعبة التظاهر؟

نقيم خروج الطفل من قوقعته باختبارات نفسية فكرتها الأساسية هي أن الطفل الذي خرج من قوقعته يستطيع أن يفرق بين الـ”أنا” والـ”آخر”، ويميز بين أفكاره الخاصة، ومشاعره، وأعماله وأفكار ومشاعر وأعمال الآخرين.   

نأتي الآن للبحث الذي قامت به إيمي ناثانسن Amy Nathanson من جامعة ولاية أوهايو وظهر في مجلة Journal of Communication : لقد اختارت 107 طفلاً من 5 حضانات يتراوح اعمارهم ما بين 37 و74 شهرًا أي في السن الذي تبدأ تتكون وتنمو فيه نظرية العقل عند الطفل، وعملت استبيان لأهالي الأطفال لتعرف مدى اسراف الأطفال في مشاهدة التلفزيون: هل يوجد جهاز في حجرة الطفل؟ هل يترك الجهاز يبث طول الوقت؟ كم ساعة في اليوم يشاهد الطفل فيها التلفزيون؟ ما هي البرامج التي يشاهدها؟ هل هي برامج كرتون كما تقدم Disney Channel, Nickelodeon، أم برامج تعليمية كالتي تقدمها قناةPBS ، أم برامج عن مواقف عائلية كالتي يقدمها برنامجABC-Family 

وقارنت الباحثة بين انماط مشاهدة التلفزيون ونتائج الاختبارات النفسية التي شرحت أعلاه والتي تدل على قدرة الطفل على التفريق بين ما هو متصل به وما هو متصل بالآخرين، فوجدت أن الاسراف في مشاهدة برامج الكارتون التلفزيونية ينتقص من نضوج الطفل ويجعله لا يفرق بين شعوره وشعور الآخرين أو ما هو خاص به وما هو خاص بالآخرين، ولا يرى إلا نفسه.

بررت الباحثة هذه النتائج أن هذه البرامج تقدم شخصيات كاريكاتورية الطبيعة، يتحلى فيها البطل بكل الصفات الحميدة، والشرير بكل الصفات الرديئة، والعواطف فيها عواطف بسيطة وثنائية الأبعاد، فهي إما سعادة، أو حزن، أو غضب، أو حب، أو كراهية، إلخ.. وتقدم هذه البرامج ما هو من خيال مؤلف أو مصور هذه البرامج وليس بالضرورة ما هو من الحياة. لكل ذلك، تملأ هذه البرامج قاعدة معلومات الطفل بمعلومات بسيطة، ليست حقيقية، لا يتواصل معها الطفل، فلا تساعد على نموه العقلي والعاطفي. 

كذلك، وجدت الباحثة أن برامج قناة PBS التي تهتم بتعليم وبذكاء الطفل لم تساعد على نموه العقلي والعاطفي، ولكن مشاهدة برنامج ABC-Family الذي يقدم مشاكل يقابلها الأطفال في حياتهم لم تنتقص من نمو الأطفال العقلي والعاطفي بل ساعدت على هذا النمو بعكس البرامج الكرتونية!! 

نتوقف لنهضم ما قدمنا.

هذا يعني أن الطفل لكي ينضج عقليًا وعاطفيًا ويخرج من قوقعة الـ”أنا” يحتاج أن يتواصل مع أشخاص حقيقيين ذي أبعاد ثلاثية في مواقف مقاربة لحياته.

هذه فكرة لها تداعيات مهمة وخطيرة، فهناك تجارة عالمية تكسب مليارات الدولارات من فكرة أن يتقارب الطفل ويتعلق بشخصيات كرتونية مثل ميكي ماوس، فكيف ستتقبل مؤسسات هذه التجارة أبحاث مثل أبحاث ناثانسن؟ 

وهل سيتقبل الأهل اللذين يستسهلون ترك أطفالهم يجالسهم التلفزيون دون مقابل، هل سيتقبلوا أن يبعدوا أطفالهم عن التلفزيون؟ 

وماذا سيحدث إذا داوم الطفل على مشاهدة برامج كارتونية ثنائية الأبعاد؟ هل سيشب فيصبح شابًا ثنائي الأبعاد، سطحي، لا يستطيع أن يتصور تعقيدات وصعوبات الحياة؟ أو لا يستطيع أن يرى الآخر ويضع نفسه مكانه؟ وماذا عن أنماط البرامج التلفزيونية التي يشاهدها الكبار؟ أليس الكثير منها سطحي، ثنائي الأبعاد، تقريبًا كارتوني النمط (نمط الصعيدي، ونمط البلطجي، ونمط السفاح، إلخ.) فهل الاسراف في مشاهدة هذه البرامج يكمل الرحلة التي بدأتها برامج الأطفال الكارتونية فيساعد على تكوين مشاهد لم يخرج من قوقعة الـ”أنا”، ولا يستطيع أن يضع نفسه مكان الآخر والتواصل عاطفيًا معه؟

أسئلة كثيرة ومهمة.  

وهنا قالت شهرزاد: “نتعلم أن نتفكر ونسأل أسئلة كثيرة، فالفائدة تأتي من السؤال وليس بالضرورة من الجواب”، وسكتت عن الكلام المباح.

د. سهير الدفراوي المصري

www.anawanahnoo.org

Blog: anawanahnoo.org

Facebook: facebook.com/SouheirElmasry

Twitter:  twitter.com/Souheir_Elmasry

 

عن admin

شاهد أيضاً

أفكار في العمل: 2- ما هو الفيل في الحجرة؟

يرى الكثير من متخصصي الموارد البشرية في الشركات وفي جهات العمل المختلفة أننا بصدى ظاهرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *