مخاطر التلفزيون على الطفل – 3

مخاطر التلفزيون على الطفل – 3

دائمًا ما يوصف المخ بالحاسوب المركزي الذي يتحكم في كل شيء في الكائن الحي، إنسانًا، أو حيوانًأ، وأنا أوافق على هذا الوصف، فالمخ مثل الحاسوب مكون من مسارات كهربائية تسير فيها الكهرباء وفق نظام معين. هذا النظام هو البوردة board في حال الحاسوب، وهو تواصل الخلايا العصبية في حال المخ. 

والمخ هو أكثر من حاسوب مركزي جبار لأن الـ”بوردة” فيه ليست استاتيكية مثل بوردة الحاسوب التي لا تتغير. فهو حي، مكون من خلايا حية توصل الكهرباء بينها وبين بعضها، وفي بحر ساعات قليلة تستطيع الخلايا القريبة من بعضها أن تتطاول وتتواصل فتكون إتصالات جديدة، أو تنكمش وتبتعد عن بعضها فتفقد الاتصالات في هذه الـ”بوردة” الحية، بوردة المخ.

 والمخ، مثل الحاسوب عنده لغته، وقد رأينا كيف أن التلفزيون يتدخل في التغيير الذي يحدث للغة تفكير الأطفال عندما يتحولون من التفكير بالصورة إلى التفكير بالكلمة.

والمخ هو المايسترو الذي يتحكم في كل عمل يقوم به الجسم، ويتدخل التلفزيون في بعض هذه التطبيقات، كما رأينا في المدونة الماضية.  

ولكن ماذا عن قاعدة معلومات المخ؟ هل هناك قاعدة معلومات للمخ مثل قاعدة معلومات الحاسوب تتأثر بالاسراف في مشاهدة التلفزيون؟

هذا موضوع مهم.

من المهم أن نعرف إذا كان التلفزيون لا يؤثر فقط على طريقة التفكير، أي لغة التفكير، ولكنه أيضًا يؤثر على قاعدة المعلومات، فقاعدة المعلومات هي ما تتوارثها الأجيال، ما تكون ثقافة المجتمع، وهي إلى حد كبير ثقافة مبنية على أفراد حقيقيين، قاموا بأعمال حقيقية (فنحن لا نعيش في عصر الأساطير) ونريد لأولادنا قاعدة معلومات مكونة من أعمال حقيقية، وليست تفننات مؤلف تلفزيوني.

يحضرني موقف حدث لي حديثًا.

كل بضعة أشهر اجتمع في النادي أو في مطعم مع مجموعة من الصديقات للغذاء وللتزاور. وفي يوم، ونحن مجتمعات على مائدة الغذاء منتظرات الطعام تحول الحديث إلى المسلسلات التركية والمصرية، وكان من الواضح أنهن كمجموعة يتفرجن على نفس المسلسلات، ويتوافقن في أرائهن عن الشخصيات في هذه المسلسلات. وبما أنني لا أشاهد هذه المسلسلات فتراجعت إلى الخلفية لأحلل ما أراه.

كانت صديقاتي يتكلمن باهتمام وبحماس عن أحداث المسلسلات وعن الشخصيات فيها. كان هناك توافق تام بينهن على صفات هذه الشخصيات، فـ”فلان” قاسي ومجرم، و”فلانة” تحب “فلان الفلاني”، ولذا هي ضعيفة أمامه، وهكذا. لم يكن هناك مناقشة. فمن توافقهن التام على صفات هذه الشخصيات استنتجت أنها أحادية الصفات، ثنائية البعد، تقريبًا كاريكاتورية، لا يصعب على أحد أن يفهمها، وتحمس صديقاتي الشديد لأحداث المسلسلات جعلني أفكر أنهن قريبات جدًا من هذه المسلسات. لا أقول أنهن يخلطن بين الواقع الذي يعشنه ومسلسلات التلفزيون، ولكنهن بانتظامهن في المشاهدة اليومية وفي ميعاد محدد للمسلسلات قد جعلن هذه المسلسلات بأشخاصها تقترب جدًا منهن وتصبح جزءً مهمًا من روتينهم اليومي ومن حياتهن.

لقد تواصلن مع شخصيات هذه المسلسلات.

ذكرني هذا المشهد بمقولة ماريانو جروندونا، وهو كاتب وشخصية تلفزيونية في أمريكا الجنوبية، قال ما معناه أنه عندما يكتب يوافقه من يفكر مثله، ولكنه عندما يظهر على التلفزيون يستطيع أن يجعل من لا يفكر مثله أن يفكر مثله.  وقد سردت هذا في مدونة “لقد فاز ميكي مارتللي” التي ظهرت في 6 يونيو 2011. وكلام ماريانو جروندونا يستند إلى حقائق علمية فنحن نقرأ بمخنا اليسار، مخ المنطق الذي يستطيع أن يحلل ويوافق أو لا يوافق على ما نقرأه فلا نقتنع بسهولة، ولكننا عندما نشاهد التلفزيون فنحن نشاهد بمخنا البدائي الذي ربما يتأثر بالعواطف فنقتنع بسهولة أكثر.

نرى إذًا أن التلفزيون قد تدخل في قاعدة معلوماتنا عن الاشخاص.

ويأخذنا ما سبق إلى بحث علمي ظهر في مجلة  Journal of Communication في أواخر عام 2013 وقامت به الباحثة Amy Nathanson من جامعة ولاية أوهايو، Ohio State University. درست الباحثة 107 طفلاً يتراوحون في العمر ما بين 38 و74 شهرًا. قارنت بين مشاهدتهم للتلفزيون، بما فيها عدد ساعات المشاهدة اليومية، وإلبرامج التي يشاهدونها، وإذا كان التلفزيون مفتوحًا طول الوقت، وإذا كان هناك تلفزيون في حجرة نوم الطفل، وبين تقييم قامت به لنموهم العقلي-العاطفي.  

وجدت الباحثة علاقة عكسية بين النمو العقلي-العاطفي للأطفال وبين مشاهدتهم للتلفزيون، أي أن الاسراف في مشاهدة التلفزيون ينتقص من النمو العقلي-العاطفي للأطفال، كذلك، وجدت أن الأطفال الذين يشاهدون برنامج ABC-Family  (وهو برنامج يظهر المشاكل التي يقابلها الأطفال في حياتهم) هذا البرنامج ينتقص من المفعول السيئ للتلفزيون على النمو العقلي-العاطفي للأطفال، ولكن مشاهدة برامج PBS (وهي برامج تنمي التعليم والذكاء في الأطفال) ليس لها نفس المفعول.

ماذا يعني هذا؟

كان تحليل الباحثة أنها اختارت أطفالاً في هذه السن لأن في هذه السن تظهر عند الأطفال ما يسمى بنظرية العقلtheory of mind  أي يتعلموا كيف يقرأون فكر الآخرين، فالتلفزيون يتدخل في تكوين هذه المقدرة عندهم عن طريق أنه يقدم لهم قاعدة معلومات فقيرة، أشخاصها أحادي العواطف، وثنائي الأبعاد، ووصفهم كاريكاتوري: هذا يشعر بسعادة، وهذا بخوف، وهذا بطل وهذا شرير، وهكذا، كما نراه في برامج الكارتون. فهذا التقديم لا يساعد الأطفال على أن يفهموا تعقيدات المواقف وتعقيدات فكر الناس فلا يساعد على نموهم العقلي-العاطفي.

وهنا قالت شهرزاد: “وعندنا كلام عن نظرية العقل لأنها مهمة”، وسكتت عن الكلام المباح.

د. سهير الدفراوي المصري

Blog: anawanahnoo.org

Facebook: facebook.com/SouheirElmasry

Twitter:  twitter.com/Souheir_Elmasry

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*