تكلمنا عن التلفزيون، والآن حان الوقت أن نتكلم عن ألعاب الفيديو

تكلمنا عن التلفزيون، والآن حان الوقت أن نتكلم عن ألعاب الفيديو

منذ حوالي 6 سنوات كنت في زيارة إلى مكتبة حلوان حيث كنا نقدم برامجنا، فاستوقفتنى سيدة تمسك في يدها طفل وعلى وجهها بؤس وتعاسة: طفلها يلعب ألعاب الفيديو طول الوقت دون توقف. لا يريد أن يأكل أو ينام، أو يذهب إلى المدرسة. يريد فقط أن يلعب ألعاب الفيديو.

نظرت إلى السيدة وطفلها. هي متوسطة الحال، وربما قليلة التعليم، فلم أتصور أن اللعبة التي  يلعبها طفلها من اللعب المتقدمة، الغالية الثمن التي يقال أنها تسبب الإدمان، وطفلها سنه سبع أو ثماني سنوات، ولكنه على صغر سنه إلا أن نظراته الزائغة التي كان يحاول أن يركزها وهو ينظر إلي كانت تدل على أنه مدمن. مدمن صغير. أصغر مدمن رأيته في حياتي.

نصحتها أن تأخذه إلى الطبيب، وبقيت صورته في ذهني.

في هذا الوقت كنت قد انهيت بحثًا عن أضرار التلفزيون ونشرته في كتاب “مخاطر التلفزيون على مخ الطفل”، حيث أوضحت أنه عندما يسرف الأطفال في مشاهدة التلفزيون يتعودونه تعودًا يقترب من الإدمان ولكنه ليس إدمانًا، وأن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال منعت الأطفال سن سنتين فما أقل من مشاهدة التلفزيون، ونصحت الأطفال الأكبر سنًا ألا يشاهدونه أكثر من ساعتين يوميًا، وقدمت الأضرار المختلفة لإسراف الأطفال في مشاهدة التلفزيون، كتدخل هذا الاسراف في حبهم للقراءة، لأن من يسرف في مشاهدة التلفزيون يمل سريعًا القراءة ولا يحبها، وتدخل الاسراف في مشاهدة التلفزيون في التواصل العائلي، وفي عمل الأطفال المدرسي، وفي تخيلهم، ويقتطع من وقت لعبهم، وللعب فوائد كثيرة للأطفال، كذلك، ينتقص من الوقت الذي يتواصل فيه أفراد العائلة مع بعضهم. 

كانت صورة أضرار التلفزيون واضحة في ذهني، والذي جعلها أكثر وضوحًا هو الموقف الشجاع الذي اتخذته الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، فقد قيمت على ما أتذكر 900 بحثًا، وفي عام 1999 قدمت بكل قوة توصياتها بخطورة اسراف الأطفال في مشاهدة التلفزيون.  

وبعكس أضرار التلفزيون لم تكن صورة أضرار ألعاب الفيديو واضحة في ذهني. كنت اعرف أن هناك فرق كبير بين التلفزيون ولعب الفيديو، ففي التلفزيون يكون المتفرج سلبيًا، أما في لعب الفيديو فاللاعب إيجابي، ينفعل ويندمج في اللعب، وينتج عن ذلك أننا عندما نعطيه مادة تعليمية عن طريق لعب فيديو يستوعبها أفضل من استيعابها إذا قدمناها عن طريق التلفزيون. ومن حين لآخر كنت أقرأ في الصحف الأمريكية أخبار جرائم بشعة يرتكبها مراهقون من مدمني العاب الفيديو العنيفة، ويقال أنهم قاموا بنفس الجرائم التي كانوا يلعبونها في ألعاب الفيديو العنيفة.

قررت أن أنظر في موضوع ألعاب الفيديو.

وجدت أن هناك على الأقل أربعة أنواع من هذه الألعاب: 1- ألعاب تعليمية، 2- ألعاب تسلية بسيطة للأطفال الصغار، 3- ألعاب عنيفة، 4- وألعاب تتطلب المال.

كل هذه الألعاب تستند إلى 4 أجزاء: الجزء الأول يشد انتباه اللاعب ليلعب، عن طريق الألوان والموسيقى والحركة، والجزء الثاني هو العمل، وهنا إما يحل اللاعب مسألة رياضية، أو يقوم بأي عمل حسب اللعبة التي يلعبها، وفي الجزء الثالث يجد اللاعب مكافأته، وفي اللعب التعليمية وفي التسلية البسيطة تكون المكافأة متوازية مع العمل ولكن في حالة الألعاب العنيفة والتي تتطلب المال تكون المكافأة متغيرة لأن هذه الألعاب تهدف إلى جعل اللاعب يدمنها، والمعروف أن المكافأة المتغيرة تساعد على الادمان، فعندما لا يعرف اللاعب متى سيحصل على المكافأة ولا يعرف نوعها ينجذب إلى اللعبة ويداوم على اللعب ويدمنه، والجزء الرابع هو ما يشعر به اللاعب بعد اللعب، ففي اللعب التعليمية يشعر أنه ازداد معرفة وفي حالة الالعاب العنيفة والمدمنة يزداد عنفًا ويداوم على اللعب.

وتصمم الشركات المنتجة للعب العنيفة واللعب التي تتطلب المال  بطريقة تجعلها أكثر إدمانًا للاعب، فتعين علماء النفس كمستشارين يساعدون في تصميم هذه اللعب مستخدمين خبراتهم في كيفية يفكر العقل البشري لجعل الألعاب أكثر إغراء، فيصعب على اللاعب تركها. وهناك حوادث عدة داوم اللاعب المدمن اللعب فيها دون أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يسترح حتى وقع جثة هامدة. وينتشر وباء إدمان لعب الفيديو في كوريا الجنوبية، لذلك، سنت الحكومة الكورية قانونًا يجعل منتجي اللعب يصممونها بطريقة تجعل أهل الطفل يستطيعوا أن يضعوا شروط لعب لأطفالهم، ففي كل 24 ساعة تكون اللعبة قابلة للاستعمال فترة معينة فقط حسب رؤية اهل الطفل، فلا يستطيع الطفل أن يلعب اللعبة أكثر من وقت معين كل يوم حتى لا يدمنها. 

كما يتعلم الطفل من تمرينات الرياضة التي تقدمها ألعاب الفيديو التعليمية فهو يتعلم ايضًا العنف من ألعاب الفيديو العنيفة التي تمرنه مرة ومرتين ومرات عدة على كيفية السرقة والقتل، فتضعف إحساسه تجاه العنف، وتشجعه عليه كما نري في هذه الحادثة:

في سنة 2006 قبضت شرطة ألاباما على شاب سنه 18 سنة إسمه ديفين مور لاشتباهها إنه يسرق السيارات. أخذه الشرطي إلى مركز الشرطة، وعندما كان يقوم باجراءات الحجز، سرق الشاب مسدس الشرطي، واطلق النار عليه وعلى رجلين آخرين من رجال الشرطة، وسرق مفاتيح سيارة شرطة وهرب بها.

لم يكن لهذا الشاب أي سابقة إجرامية، ولكنه كان يلعب كثيرًا لعبة الفيديو “سرقة السيارات الكبرى” أي Grand Theft Auto حيث كان يقوم في اللعبة بنفس الأفعال الاجرامية التي قام بها في مركز الشرطة أي كان في لعبة الفيديو يسرق مفتاح السيارة ويهرب بها ويقتل من يقف في طريقه من الشرطة.

وهناك عشرات من القصص مثل قصة ديفين مور، ولكن لم تسفر أي منها على تورط الشركات التي تنتج الألعاب العنيفة، بل نقرأ في المقالات التي تساند ألعاب الفيديو العنيفة أن الشركات تفتخر أن كل القضايا التي رفعت ضدها لم تنالها لإنها لم تستطع أن تثبت سببية هذه الألعاب في الجرائم المشابهة التي يقوم بها لاعبو الألعاب العنيفة.

لماذا لم يستطع أحد أن يثبت سببية ألعاب الفيديو في الجرائم التي تشابهها؟ لأن الشركات التي تنتج هذه الألعاب هي شركات عملاقة مثل سوني وننتندو، وتجارة هذه الألعاب هي تجارة كثيرة الربح، فتأتي هذه الشركات بأبرع المحامين الذين يتفننون في الدفاع عن هذه اللعب. وعندما بدأت أقرأ في موضوع ألعاب الفيديو والعنف والادمان لاحظت حملة هائلة ومنظمة لبلبلة فكر الناس في مخاطر لعب الفيديو العنيفة، ولاحظت أن هناك كتابًا يتخصصون في هذه البلبلة، فعرفت أننا بصدد حملة علاقات عامة مثل التي تكلمنا عنها في حرب الكويت ومايكروسوفت، وفيما يلي مثل مما كتبته جوليا لايطون

Do violent video games lead to real violence?by Julia Layton

وهي ممن يكتبون كثيرًا في هذا الموضوع، كتبت ما يلي بمناسبة حادثة ديفين مور، فالرجاء ملاحظة كيف تتلاعب  الكاتبة بالتفكير المنطقي:

على الأقل إذا نظرنا إلى الموضوع سطحيًا نستطيع أن نرى بالمنطق أن هناك علاقة بين اللعب الذي كان يلعبه الشاب مور وبين أفعاله التي اقترفها، ففي لعبة “سرقة السيارات الكبرى” اللاعبون يسرقون السيارات ويقتلون رجال الشرطة.

ولكنها حجة قديمة سمعناها على مدى عقود زمن حول برامج التلفزيون التي تظهر العنف لقد اجمع العلماء على أن برامج التلفزيون التي تظهر العنف تؤثر على تصرفات الأطفال، ولكنهم لا يقولون أنها تتسبب في أن الأطفال يقومون بأعمال عنيفة يرونها على الشاشة.

هل لاحظت كلمة “سطحيًا”؟ تريد الكاتبة أن تقنعنا أن من يرى سببية في الجريمة واللعب هو من ينظر إلى الموضوع سطحيًا!!!

وهل لاحظت  وصف “حجة قديمة”؟ الحجج لا تقدم، هي إما صحيحة أو خاطئة، ثم تقفز الكاتبة إلى مقارنة عنف لعب الفيديو بعنف التلفزيون، وهي مقارنة خاطئة فالتلفزيون يظهر فقط العنف ويترك للمشاهد إما أن يقلده أو لا يقلده، أما لعب الفيديو العنيفة فهي تعلم وتمرن وتكافئ على العنف، صحيح أن هذا التعليم يحدث في عالم افتراضي لكن كثر اللعب والحياة في هذا العالم الافتراضي قد يجعله عند بعض الشخصيات يندمج مع العالم الحقيقي.

وللأسف نجد الرابطة الأمريكية لعلم النفس غير مستعدة للاعتراف بأن هناك تشخيص “إدمان ألعاب الفيديو”، ولو إنها تقول لأعضائها أن مهنة “أخصائي لعب فيديو نفساني” هي مهنة مطلوبة، فهي تعترف أن منتجي ألعاب الفيديو يتلاعبون بفكر اللاعبين، ولكنها لا تقف الموقف الحازم الذي وقفته الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال في 1999.

لقد تغير الزمن منذ سنة 1999 وشركات العلاقات العامة اصبحت جبارة ولكن مهما طالت المعركة فالحق سيظهر في الآخر من بين كل هذه البلبلة.

وهنا قالت شهرزاد: “هذه مثل قضية ضرر تدخين السجائر، لقد حاربت شركات السجائر أكثر من عشرين سنة لتثبت أن السجائر غير ضارة، ولكنها في الآخر، بعد أن مرض ومات الكثيرون خسرت ودفعت التعويضات”، وسكتت عن الكلام المباح.       

د. سهير الدفراوي المصري

Blog: anawanahnoo.org

Facebook: facebook.com/SouheirElmasry

Twitter:  twitter.com/Souheir_Elmasry

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*