أفكار في العمل: 1- الفيل في الحجرة

أفكار في العمل: 1- الفيل في الحجرة

ذهبت لأتسوق في كارفور.

كنا في منتصف اليوم في أول أسبوع في رمضان، والجو الحار تغلبت حرارته على التكييف، والزحمة مميتة، والطابور الذي أقف فيه لدفع الحساب طويل ويسير ببطئ.

أمامي زوجين وطفلهما. لاحظت أنهما بدينان، وأن عربة مشترياتهما تكتظ بالمشتريات، فتذكرت دراسة قرأت عنها منذ أكثر من ربع قرن أن علماء قيموا متوسط كمية الأكل التي يأكلها فأر المعمل الأبيض عندما تترك له حرية الأكل دون حساب، وبعد أن قيموا ما يأكل يوميًا أطعموه 75% فقط مما يأكل فوجدوا أن الفئران التي تأكل الكمية الأقل من طاقتها، تعيش أكثر من الفئران التي تأكل كما تشاء.   

تذكرت هذه الدراسة عندما قرأت منذ حوالي شهر أن دراسة إحصائية للصلة بين متوسط عمر الشعوب وكمية أكلها أشارت إلي أننا إذا أخذنا في الاعتبار نوعية الأكل وظروف معيشية أخرى فالشعوب التي تأكل قليلاً تعيش طويلاً.

ابتسمت وأنا استرجع هذه الدراسات وأقف في الطابور وراء الزوج والزوجة البدينين، وتسائلت: ماذا لو عرفا بهذه الأبحاث؟ هل سيغيرا من نمط أكلهما؟

أخيرًا، وصل الزوج والزوجة إلى السير الذي نضع عليه المشتروات، ووضعا مشترواتهما، وانتظرا حسابات الـ”كاشير”، ولكن الشاب الـ”كاشير” كان منشغلا بمندوبة شركة “اتصالات” التي كانت تقف بجانبه، تكلمه دون انقطاع، وتقص عليه شيئًا، وتضحك وتغازله بعينيها وبابتسامتها، وهو يعمل ببطئ لأنه يركز فيما تقول، وغزلها له اسكب على وجهه بعض الخجل والسرور.

نظرت إلى الزوج أتسائل إذا كان قد لاحظ سبب بطئ سير العمل في هذا الطابور وإذا كان سيحث الكاشير على العمل، فوجدته قد اسدل عينيه، وشعرت أنه يريد أن يهرب من الموقف في أقرب وقت ممكن، وبالفعل دفع حسابه وهرول مغادرًا.

جاء دوري، وكنت قد وضعت مشترياتي على السير، وداومت المندوبة على مغازلة الـ”كاشير”، دون أن تنقطع عن الكلام. فقلت له:

  • “لو ركزت في عملك، سيسير العمل أسرع”، فأجابني:
  • “هذا العمل لا يحتاج لتركيز”، قلت:
  • “لقد رأيت من يعملون اسرع منك”، قال:
  • “إذا كان المستثمر يريد عملا أفضل فعليه أن يدفع مرتبات أفضل”.

لاحظوا هنا أنه لا يتكلم عن رئيسه، ولكنه يقفز مرة واحدة إلى أول الخط، حيث المال فيكلمني عن “المستثمر”. اهتمامه هو المال. قلت له:

  • “إذا كنت غير راضي عن مرتبك، فاترك عملك وأجد لنفسك عملا آخر”، قال:
  • “لا توجد الآن في البلد أعمال جيدة”. استغربت أن يقول هذا الكلام، فهو يعترف أنه يأخذ ما يستحق، وفي نفس الوقت يعترف أنه لا يعطي عمله كل ما في مقدوره.

نظرت مندوبة شركة “اتصالات” إلى شذرًا، فلأول مرة تضطر أن تسكت ليتكلم شخص آخر. قلت لها:

  • “هو كاشير، وأنت، ماذا تعملين هنا؟” قالت:
  • “أنا مندوبة شركة “اتصالات”. من يشترك معنا يأخذ تخفيضًا من كارفور”، قلت لها:
  • “ولكني لم أرك تحاولين إقناع الراجل الذي كان أمامي، وقد دفع وترك منذ دقائق، ولم تكلمينني عن “اتصالات”، فهل تبيعين الاشتراك في “اتصالات” للكاشير؟

وتركتها، وفي طريق عودتي إلى المنزل كان عندي من الوقت مايكفي أن أتفكر فيما حدث.

لا يعنيني إذا كانت مندوبة “إتصالات” قد وجدت في شخص الكاشير فريسة سهلة لألاعيبها فهذا أمر شخصي لهما وليس من شأني أن اتدخل فيه.

وأيضًا لا يعنيني إذا كان موظف كارفور ومندوبة شركة اتصالات لم يتمرنا على العمل بنظام “العميل دائمًا على حق”، وهو النظام المتبع في البلاد الناجحة، والذي يجعل كل موظف ينظر لشكوى العميل من وجهة نظر العميل، فيعتذر له إذا أخطأ، ويعتذر له حتى إذا لم يخطئ ولكنه يكون قد لاحظ أن  العميل قد تضايق. فمرة أخرى هذا لا يعنيني فهو يدل على مشكلة تدريب عند كارفور وشركة “اتصالات”.

ولكن ما يعنيني دلالة ما حدث على تدني حال المهارات الحياتية ومهارات العمل في مجتمعنا.

فهناك شكاوي متكررة أن تطلعات الشباب المصري في ما ينتظره من العمل هي تطلعات غير واقعية، وها هو هذا الشاب يثبتها لنا، فهو يرى أن راتبه متدني وأقل مما يستحق، وفي نفس الوقت يعترف أنه يتقبل هذا الراتب لأنه لن يجد راتبًا أفضل منه، فهو لا يفهم أن قوله هذا دليل على أنه ليس مظلوما في راتبه، ويتقاضى فعلا ما يستحق.

بل هو ظالمً لعمله لأنه لا يعطيه أفضل ما عنده في الوقت الذي يأخذ منه ما يستحقه. لماذا لا يفكر شبابنا بهذه الطريقة المنطقية؟ لماذا دخلت في ثقافتنا جمل مثل “أعطي العمل بقدر نقوده”؟ وهل هذه الثقافة ستساعدنا على التقدم؟

جلست مرة في الطائرة المتجهة إلى دبي بجانب رجل أعمال مصري، قال لي أنه بعد أن ادخر من عمله في دبي شيد مصنعًا صغيرًا في بلدته السويس ليرد لبلدته جميلها عليه وليوجد عملا لشبابها، ولكنه بعد قليل من الوقت اضطر أن يحضر عمالة أسيوية كالتي تعود عليها في دبي لأن شباب بلدته خيب أمله.

وأعرف هندي يعيش في مصر ويجلب العمالة كلها من الهند لمصنعه.

وفي اجتماعات موظفي الموارد البشرية في الشركات هناك دائمًا شكاوي أنهم يمرنون الشباب ويصرفون المال ويضيعون الوقت، ولا يستمر الشباب في العمل لأن تطلعاته لما يستحق تفوق الواقع. هذا لا يعني أن هذا الكلام ينطبق على كل الشباب المصري، ولكنه ينطبق على الكثير منه وأن عندنا مشكلة موارد بشرية لا نتكلم عنها. وعندما نتكلم عن المشاريع نتكلم عن كل الموارد إلا الموارد البشرية. كما يقال فهناك فيل كبير في الحجرة. الكل يعرف أنه في الحجرة، يدورون حوله، ولا ينظرون إليه، وكأن هذا سيجعله يختفي.     

وهنا قالت شهرزاد: “عندنا كلام كثير في هذا الموضوع”، وسكتت عن الكلام المباح.    

د. سهير الدفراوي المصري

Blog: anawanahnoo.org

Facebook: facebook.com/SouheirElmasry

Twitter:  twitter.com/Souheir_Elmasry

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*