أفكار في العمل: 2- ما هو الفيل في الحجرة؟

أفكار في العمل: 2- ما هو الفيل في الحجرة؟

يرى الكثير من متخصصي الموارد البشرية في الشركات وفي جهات العمل المختلفة أننا بصدى ظاهرة قد تفشت في كل أنواع العمالة المصرية واصبحت تؤثر على انتاجيتها، فكثير من الشباب لا يريد العمل الجدي الذي يتطلب مثابرة، وطموحه يفوق قدراته فيخيل له أنه يستحق أفضل مما يأخذ من راتب، وتبقى الوظائف شاغرة، ويشتكي الحرفيون أنهم لا يجدون من يريد أن يتمرن على العمل.

وقد سمعت من مديرة جمعية تمرن الشباب على عمل بسيط، ثم تجد العمل له وتباشره لبضعة  أشهر حتى يتأقلم على العمل الجديد، قالت لي إنها كانت تريد أن تعتبر من بقي في عمله 6 أشهر أنه قصة نجاح لها ولجمعيتها، إلا أنها اضطرت أن تجعل المدة 3 أشهر لأن الكثير من العمال الذين تمرنهم وتجد لهم عملا، لا يداومون على العمل 6 أشهر ويعطون أسبابًا مختلفة لترك العمل: “المشوار بعيد”، “الحكاية ما تستاهلشي”، “حادور على حاجة أحسن”، إلخ..

 ولكننا عامة لا نتكلم عن مشاكل شبابنا مع العمل، فهي مثل الفيل في الحجرة، كيان واضح ولكننا نلف وندور حوله، ونتجاهله آملين أن يختفي. ولكن الفيل لن يختفي، وعلينا أن نتشجع ونواجهه لنعرف أصله وسببه، وبذلك، نستطيع أن نضع أنفسنا على طريق التغلب عليه.

ما هو هذا الفيل؟

الفيل هو العلاقة غير السوية بين العامل وعمله التي تجعله كسولا، يفضل العمل السهل الذي لا يتطلب جهدًا ومثابرة، ولا يتقنه فلا يمده هذا بالاعتزاز بالنفس، ويعتقد أنه يستحق أكثر من راتبه، فيجزأ عمله ويقول “أعطي العمل بقدر نقوده”،.

لكي نفهم طبيعة هذا الفيل نبدأ بتعريف العمل.

العمل هو نشاط يقوم به الانسان ليصل إلى هدف، وفي رأيي أن هذا النشاط يتكون من جزئين: جزء إنتاجي وهو النشاط ذاته، وجزء انساني وهو الذي يحرك الجزء الانتاجي ويتمكن منه.

كل من الجاموسة التي تدور في الساقية والماكينة التي تنتج المنتج تستطيع أن تنتج، أي أن تقوم بالجزء الانتاجي، ولكن الجاموسة أو الماكينة لا تعمل. هي تنتج، نعم، ولكن انتاجها لا يسمو إلى مرتبة العمل لأن نشاطها ينقصه الجزء الانساني الذي يأتي من تواصلها مع ما تنتج، فالانسان هو الوحيد الذي يستطيع أن يعمل لأنه الوحيد الذي يعي نفسه، ويستطيع أن يقيم ما تقوم به ويتواصل مع عمله فيرضى عنه ويعتز بنفسه، وهذا الاعتزاز يشجعه على المزيد من العمل ومن الرضى عن العمل والاعتزاز بالنفس، فتصبح العلاقة بينه وبين عمله حلقة مفرغة، وهذه الحلقة هي ما تكون الجزء الانساني من منظومة العمل، الجزء الداخلي الذي يوجد التواصل بين العامل وعمله، ويبني في العامل اعتزازه بعمله وبنفسه.

وهذه الحلقة المفرغة تتأثر بثقافة المجتمع الذي يعيش فيه العامل وبظروف معيشته، وإذا ما كانت ثقافة المجتمع وظروف المعيشة يساعدا على أن يعتز العامل بعمله وبنفسه أم لا.

ومن أهم عوامل الثقافة التي تؤثر على الحلقة المفرغة أي النظرة التي ينظر بها الفرد في هذا المجتمع إلى نفسه وإلى عمله هي قلة النظام وعشوائية المجتمع، وألا يعمل العامل لغده.

في المجتمع العشوائي، لا يوجد نظام، ويشب الطفل غير عابئًا بأي نظام أو بأي روتين يومي، فيتأخر في ميعاد نومه، ويصحى متأخرًا، ولأنه غير منظم، فهو لم يتعود أن يقيم عمله، ولأنه لم يتعود أن يقيم عمله لا يعرف كيف يتقنه فلا يعرف كيف يعتز به ويثابر عليه، فيمل عمله سريعًا ولا يُكون الحافز الداخلي الذي يستند إلى اتقان العمل ويمده بالاعتزاز به وبالنفس.

ولكن الانسان يحتاج أن يعتز بنفسه، فقد أظهر العالم مازلو أن للانسان احتياجات ضرورية يحتاج أن يلبيها قبل أن ينتقل للاحتياجات التي تليها، ووضع هذه الاحتياجات في شكل “هرم مازلو لاحتياجات الانسان”. أول احتياج للانسان الذي يكون قاعدة الهرم هو ما يحتاجه من مأكل وملبس ليعيش، ثم يأتي احتياجه للأمان، ثم يأتي احتياجه للحب أو الانتماء، ويأتي بعد ذلك احتياجه للاعتزاز بالنفس وأخيرًا احتياجه لتحقيق الذات من تفنن وأخلاقيات ودين، إلخ.  

ولأن الشاب الذي يعيش في العشوائيات، مثله مثل أي إنسان يحتاج أن يعتز بنفسه، ولكن عدم وجود النظام في حياته وملله للعمل لا يعطيا له فرصة أن يجد إعتزازه بنفسه في إطار العمل، فهو يسعى أن يجد اعتزازه بنفسه في خارج إطار العمل، فالفهلوي يستعمل فهلوته ليظهر نفسه أفضل من الآخرين وليعتز بنفسه، والبلطجي يستعمل البلطجة ليظهر نفسه أفضل من الآخرين وليعتز بنفسه،  ومن تعلم من شيخه معلوماتًا سطحية عن الدين يرددها ليظهر نفسه أفضل من الآخرين وليعتز بنفسه، فبدلاً من الحافز الداخلي الذي يستند إلى اتقان العمل والاعتزاز به وبالنفس يسعى الشاب أن يجد اعتزازه بنفسه في عوامل خارجية مختلفة لا تساعده في عمله.

وبجانب النظام، نجد أن الاحترام عامل مهم آخر يساعد على زرع الاعتزاز بالعمل وبالنفس، ونحن نعرف أن ثقافتنا تستند إلى حد ملموس إلى القوة والسلطة وليس إلى احترام الفرد كما هو الحال في مجتمعات أخرى.

والاحترام من الصفات العامة في المجتمع مثلها مثل الحب، فمن يحب نفسه تكون هذه هي صفته فيحب الناس والناس يحبونه، كذلك، من يحترم نفسه يحترم الآخرين وهم يحترمونه، فهو شخص محترم.

والشخص المحترم يحترم عمله، ويعمل كل ما في جهده ليتقنه حتى يداوم على احترامه لنفسه. وهو يتمتع بأخلاقيات سوية تجعله يحافظ على احترامه لنفسه، ويكون علاقات سوية لا تتجزأ مع الآخرين ومع عمله، فكما لا يقول عن أصداقئه “أخلص لهم بقدر الفائدة التي آخذها منهم”، لا يقول “أعطي لعملي بقدر نقوده”، فهو يعرف أن العلاقة السوية لا تتجزأ، هي كل شيء أو لا شيء، إما هناك علاقة سوية مع أصدقائه أو ليس هناك، هذه هي انتجراطية العلاقات السوية، ومن يحترم نفسه يكون علاقة سوية مع عمله، إذا لم يعجبه عمله إما أن يتركه أو يحاول كل جهده أن يتقبله ويعطيه كل جهده إلى أن يجد ما هو أفضل له، ولكنه لا يعطي جزءًا فقط من جهده، هذه هي انتجراطية العمل.

ونتيجة نقص النظام والاحترام نجد صفة ثالثة لا تساعد العامل على مواظبة العمل، وهي عدم وجود النظرة المستقبلية، فهو لا يدخر، بل يعيش اليوم بيومه، إذا أخذ راتب الأسبوع ولم يكن عنده ظرفًا طارءً يغصبه على العمل، قد ينقطع عن العمل حتى “يصرف ما في الجيب إلى أن يأتيه ما في الغيب”.

والاعلام هو البوق الذي يكبر نقاط ضعف المجتمع عندما يركز عليها ويكرر من إظهارها، وهذا ما حدث في السنين الماضية حين ركز الإعلام المرئي على المجتمعات العشوائية، وعلى العنف فيها، وقلة النظام، وعدم الاحترام، فساعد على انتشار هذه الصفات في المجتمع.        

وهنا قالت شهرزاد: “كلمات السر هي النظام والاحترام والنظرة المستقبلية، لأنها تجعل العامل يتواصل مع عمله ويتقنه، ويعتز به، فيزيد من اعتزازه بنفسه، وتجعله ينظر للمستقبل ويخطط له فتدور الحلقة المفرغة، حلقة اتقان العمل” ثم تساءلت “وهل هذه هي كل قصة الفيل في الحجرة؟”، وسكتت عن الكلام المباح.

د. سهير الدفراوي المصري

Blog: anawanahnoo.org

Facebook: facebook.com/SouheirElmasry

Twitter:  twitter.com/Souheir_Elmasry

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*