أفكار في العمل: 3- كيف دخل الفيل الحجرة؟

أفكار في العمل: 3- كيف دخل الفيل الحجرة؟

مصر تمر بفترة صعبة تحتاج أن نركز فيها على التنمية.

وعندما نتكلم عن عوامل التنمية ندرس ونتناقش في موارد التمويل، والموارد الطبيعية، والبنية التحتية، ولكننا لا نعطي الأهمية الكافية لمشاكل الموارد البشرية، ولعلاقة العامل بعمله، مع أن هناك شكاوي عدة من هذه العلاقة، من أن العامل لا يريد أن يعمل، وأنه كسول، يمل عمله ولا يثابر عليه، وينتظر أن يأتي له بعائد مالي أكثر مما يستحق، كذلك، يشتكي الحرفيون أنهم لا يجدون من يريد أن يتعلم مهنتهم.

كل هذه الشكاوي تظهر لنا أن هناك مشكلة في علاقة العامل مع عمله، ولكننا لا نواجهها، فهي مثل الفيل في الحجرة، نعرف أنه معنا، فندور حوله، ونتجاهله، أملاً أن يختفي، ولكنه لن يختفي، وعلينا أن نعترف بوجوده، لنصل إلى سببه، سبب المشكلة في علاقة العامل بعمله.

وعندما نحلل عوامل علاقة العامل بعمله، نبدأ بمكونات العمل، فنجد أن العمل يتكون من جزئين: جزء إنتاجي وهو عملية انتاج المنتج، وجزء إنساني، لا يستطيع أن يقوم به إلا الانسان، وهو ما يتحكم في الجزء الانتاجي ويسيره، فهو الصلة التي يكونها العامل مع عمله، فيتقنه، فيعتز به، ولأنه متواصل مع عمله فاعتزاره بعمله يجعله يعتز بنفسه، وهذا الاعتزاز يولد عنده الرغبة في المزيد من اتقان العمل ومن المواظبة على الاعتزاز بالعمل وبالنفس.

عندما تتواجد هذه الحلقة المفرغة الداخلية في علاقة العامل مع عمله يقوى تواصل العامل مع عمله ويتعود أن يتقنه ليعتز به وبنفسه، عندئذ يصبح العامل self-starter أو مبدئ العمل ومتقن له.

وقد تسائلنا: ما هي العوامل التي تساعد على تكوين الحلقة المفرغة، أي تساعد على تكوين علاقة سوية بين العامل وعمله؟ فوجدنا ثلاث عوامل مهمة هم النظام والاحترام والنظرة المستقبلية وما يترتب عليهم، وعدم وجودهم يؤثر على تكوين علاقة سوية بين العامل وعمله.

وفي هذه المدونة نتسائل عن الظروف التي تساعد على تكوين أو عدم تكوين هذه العلاقة السوية بين العامل وعمله؟

تتكون علاقة الفرد بالعمل في الصغر عندما يتعلم الطفل كيف يقوم بعمله المدرسي، وينجز الواجب، فيتعلم كيف يتقن عمله، وكيف يربي اعتزازه بعمله، وبنفسه، ويداوم على اتقان عمله، والمثابرة عليه.

في هذه السنين الأولى من حياة الطفل يكون للأهل وللمدرسين دورًا أساسيًا في تكوين الحلقة المفرغة التي تربط اتقان العمل، والمثابرة عليه بالاعتزاز بالنفس، أي بالصورة التي يكونها الطفل عن نفسه، فلن يُكون الطفل صورة سوية لنفسه وعلاقة سوية مع عمله إذا عامله أهله ومدرسوه بغير احترام، أو ضربوه، وأذلوه، فصار لا يحترم نفسه.

كذلك، لن يستطيع أن يُكون علاقة سوية مع عمله إذا عاش حياة عشوائية لا يوجد فيها نظام، ولا يقوم بواجبه بانتظام، ويعمل فقط عندما “يجيله مزاجه”.

ويحتاج الطفل أن يجد تقديرًا لعمله من مدرسيه وأهله، والأفضل أن يقدر الأهل والمدرسون عمل الطفل ولا يقدرون الطفل نفسه، فيقولون: “هذه صورة جميلة التي رسمتها”، أو “خطك جميل”، أو “اجتهاد جميل هذا الذي تقوم به”، ولا يقولون: “أنت ولد شاطر”، فعندما يقيمون العمل يعطون فرصة للطفل أن يستنتج من نفسه أنه شاطر، وعندما يستنتج الشيء، يمتلكه ويبقى معه ويؤثر فيه أكثر من أن يأخذه على الجاهز من الآخرين عندما يقولون له أنه شاطر.

وهذا الكلام يسري على الطفل الصغير الذي يتمرن في مهنة، فهو يحتاج أن يعامل باحترام وأن يعمل بنظام، وأن يجد تقديرًا لعمله من من يعلمه المهنة، ولكن ثقافة المجتمع تجعل من عنده السلطة يأتمر الضعيف، ولا يعامله باحترام، وربما يضربه أو يذله، وكثير من الآباء يضربون ويذلون أطفالهم، ولا يصدقون أن هذا التصرف يضر الأطفال، وهذا الكلام يسري على الأسطى الذي يمرن الطفل على مهنة، فهو أيضًا، كثيرًا ما يضرب الطفل، ويعامله بقلة احترام، ويكبر الطفل وقد تعود ألا يُحترم، فكيف ننتظر منه أن يحترم نفسه، ويحترم عمله ويتواصل معه، ويتقنه؟

نحن نحتاج أن نقيم تعاملاتنا مع الآخر، الضعيف، وكيف نجعلها تستند إل أساس من الاحترام.

ومن العوامل التي تربي الاعتزاز بالنفس في الطفل أن تكون عنده نظرة مستقبلية. والنظرة المستقبلية لا تولد في الطفل، ولكنها تتكون في الصغر عندما يكلمه الأهل عن الغد، وبقي كام يوم على العيد، والنظرة المستقبلية أساسية لتعود الطفل النظام والعمل بأهداف، وللعمل بأهداف أكثر من فائدة، فهو يركز طاقة الطفل في اتجاه هدفه ويعطيه فرصة أفضل للنجاح، أي فرصة أفضل للاعتزاز بعمله، وبنفسه، وعندما يعمل بهدف فكل خطوة يخطيها الطفل تجاه هدفه وينجح فيها تزيد من اعتزاره بنفسه، لأنه يعطي نفسه جرعات متتالية من الثقة بالنفس والاعتزاز بها.

ومن العوامل التي تنتقص من الاعتزاز بالنفس في الطفل ألا يحافظ الأهل له على ملكيته لعمله، ويسلبوه إياها، فعندما تزيد الأم من اهتمامها بعمل طفلها المدرسي، وتسأله مرارًا إذا كان قد انهى واجبه، ثم تراجع معه الواجب، هي تبلبل فكر الطفل في ملكيته لعمله: هل هو عمله أم عملها؟ وسرعان ما يترك لها ملكية الواجب، ويعمله ليرضيها وليس لإرضاء نفسه، فتصبح علاقته بعمله علاقة غير سوية، وفيما بعد يأخذ هذه النوعية من العلاقة مع أعماله الأخرى، ومع ضياع ملكيته لعمله يضيع حافزه للعمل.

وفي دراسة لأكثر من 11000 طالب في الكلية الحربية الأمريكية وست بوينتWest Point  وجد الباحثون أن الطلبة الذين التحقوا بالكلية حبًا في نوع دراستها، أي أن هدفهم في طبيعة العمل ذاته، هؤلاء كان نجاحهم  في حياتهم المهنية رائعًا، أما الذين التحقوا بالكلية كوسيلة للوصول لأهداف أخرى كأن يؤمنوا مستقبلهم، لم ينالوا نفس درجة النجاح.

وهذه الدراسة تتماشى مع دراسات مشابهة اهتمت بمعرفة من هم المدرسون الذين يقومون بأحسن تدريس وينجح تلاميذهم؟ وجد الباحثون أن المدرسين الذين ينجح تلاميذهم لم يكونوا من حصلوا على شهادات عالية، أو من كان عندهم أقدمية في العمل المدرسي، ولكنهم كانوا من يحبون عملهم، ولا يبخلون عليه بمجهودهم.

وفي دراسة وست بوينت، وجد الباحثون أنه عندما يتواجد هدف وسيلي مع الهدف الداخلي، أي عندما لا يلتحق الطالب في وست بوينت فقط لأنه يحب هذا النوع من الدراسة، ولكنه يلتحق لأنه بجانب حبه لنوع دراسة وست بوينت يريد أيضًا أن يؤمن مستقبله، وجود هذا الهدف الثاني الوسيلي ينتقص من فاعلية الهدف الأول الأساسي، ومن نجاح الطالب في عمله بعد التخرج.            

وهنا قالت شهرزاد: “الفكرة الأساسية أن يُكون العامل بينه وبين عمله علاقة مبنية على الاحترام والنظام والانتجراطية يشعر فيها أنه يعمل لأنه يجد هدفه في عمله وليس لأنه يستعمل عمله كوسيلة لهدف آخر، هذه هي الفكرة الأساسية”، وسكتت عن الكلام المباح.

د. سهير الدفراوي المصري

Blog: anawanahnoo.org

Facebook: facebook.com/SouheirElmasry

Twitter:  twitter.com/Souheir_Elmasry

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*