أفكار في العمل: 4- دخل الفيل الحجرة، فكيف نخرجه؟

أفكار في العمل: 4- دخل الفيل الحجرة، فكيف نخرجه؟

هناك شكاوي عدة من عمل العمال تقول أن الكثير منهم لا يريد أن يعمل، أو لا يتقن عمله ويمله سريعًا، وعلاقة العامل مع عمله اصبحت علاقة غير سوية، تختلف عن العلاقة السوية التي تتكون من حلقة مفرغة من رضا العامل بانتاجه، فاعتزازه بنفسه، فحبه لعمله وتفانيه فيه ليأخذ منه إعتزازًا أكثر إلخ..، ولأنها علاقة غير سوية فيجزؤها العامل ويقول: “أعطي عملي بقدر نقوده”، ولا يعطي عمله كل جهده.

وهذه العلاقة غير السوية بين العامل وعمله هي مثل الفيل في الحجرة. الكل يعرف بوجوده ولكن يتجاهله آملاً أن يختفي، ولكنه لن يختفي بل نراه يكبر، فنحتاج أن نعرف لماذا دخل الحجرة، ونمنع تواجده، أي نحتاج أن نعرف ما هو سبب العلاقة غير السوية بين العامل وعمله، لنستطيع أن نتغلب عليها.

وفي المدونات السابقة ظهر لنا أن من أساسيات العلاقة بين العامل وعمله النظام والاحترام والنظرة المستقبلية وأن العلاقة تبدأ تتكون في الصغر عندما يهتم الطفل بعمله المدرسي ويجد تشجيعًا لذلك من أبويه، ويكون منظمًا في حياته، ويتعلم أن ينظر للأمور بنظرة مستقبلية، فالانسان يولد بدائيًا، لا يفكر إلا في يومه، ولكن عائلته تغرز فيه ثقافة النظام والنظرة المستقبلية، ويتعود أن يعمل بأهداف واضحة، ويحافظ الأهل للطفل على ملكيته لعمله فلا يتدخلون بقوة في مسئوليته تجاه واجبه المدرسي حتى لا يعتقد أنه يعمل واجبه ليرضيهم، ويُعامل باحترام ممن حوله فيتعلم أن يحترم نفسه، فكل هذه العوامل الثقافية تساعد الطفل أن يكون علاقة سوية مع عمله، وعندما يكبر يحافظ على هذه الطريقة في تكوين علاقات سوية مع كل عمل يقوم به، فيتواصل معه ويتقنه، ويعتز به وبنفسه.

ولكن هل المشكلة تكمن فقط في عدم تربية الأطفال على النظام والاحترام والنظرة المستقبلية؟ لا، فما نعيشه الآن هو حالة استيطان للعشوائية في كل طبقات مجتمعنا بما فيها من عدم نظام وعدم احترام وغياب النظرة المستقبلية، نرى هذه الحالة عند الغني والفقير، والمتعلم وغير المتعلم، كذلك، تفشت المعاملات المبنية على عدم الاحترام والتي تستند إلى السلطة والقوة، وبقيت حالة العشوائية في مجتمعاتنا أكثر من جيلين فاصبحت مرض مستوطنة، يصعب التخلص منها.

فنرى يوميًا الكثير من اعمال العنف في الشارع بين سائقي السيارات، وما خفي من عنف في المنازل كان أعظم، فمن له خبرة بحياة العشوائيات يقص لك ما يقشعر له البدن من عنف الأهل تجاه أطفالهم وعنف الأزواج تجاه زوجاتهم، وقصص عديدة عن آباء يطفئون السجائر على جسم طفلهم، ويضربونهم بشراسة، فقد اصبح العنف سمة المجتمع، وما يؤجج العنف هي المخدرات، والتفكك الأسري، والمشكلة أصبحت أكبر من مشكلة علاقة غير سوية بين العامل وعمله، المشكلة اصبحت مشكلة ثقافة مجتمع لن تساعده على التقدم، ولذا نحتاج لثورة ثقافية ننظر فيها جميعًا وبأمانة لحالنا من حيث تطبيق النظام والاحترام والنظرة المستقبلية في تعاملاتنا اليومية، ولا استثنى من ذلك كل من هو مسئول في البلد، بل أطلب من الكل:   

أولاً، أن نعترف لأنفسنا وبكل أمانة أن أضرارًا أحلت بثقافتنا وأضاعت الاحترام والنظام والنظرة المستقبلية في معاملاتنا، فأهدرنا طاقتنا في العنف والقوة بدلاً من تكريسها للعمل،

ثانيًا، أن ننوي بأمانة وشفافية أن نصلح من أمرنا، كل في مجاله، وأن تترأس هذا العمل الدولة لأنه موضوع فناء أو بقاء ولن يكفي أن يعالج بإطراء ومنافقة من الإعلام أو بحملة علاقات عامة، فتفشي المخدرات وأعمال العنف هما دليل على أننا قد وصلنا إلى حالة الخطر،

ثالثًا، أن نطبق في المنزل وفي كل مكان “الحب الناشف” tough love.

وقالت شهرزاد :”هناك كلام كثير عن الحب الناشف”، وسكتت عن الكلام المباح.    

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*