تفكُر: هل الأناني يحب نفسه؟

تفكُر: هل الأناني يحب نفسه؟



كثيرًا ما أسأل هذا السؤال للميسرين الذين يتدربون على برنامج “أنا ونحن” ، وكثيرًا ما يأتينى الجواب “أيوه الأناني بيحب نفسه، عايز كل حاجة لنفسه”، فأوضح لهم أن الأناني لا يحب نفسه، هو يريد أن يحبها، والفرق كبير بين أن تحب نفسك، وأن تريد أن تحبها، أي أنك لا تحبها، ولكنك تريد أن تحبها، فتنهب لها، وتخطف لها وتعمل كل عمل أناني حتى تقنع نفسك أنك أفضل من الآخرين ولذلك ستحب نفسك.
تذكرت تحليل الأناني هذا وأنا أقابل في منزلي من سيشترون عربتي.
كنت قد أكدت على سائقي ألا يحضر المشتري (وهو تاجر سيارات من الريف) لأقابله في منزلي إلا بعد الاتفاق معه على الثمن والشروط، وبما أن عندي بعض الشروط فقد تنازلت عن بعض الثمن، وقبل أن يحضر، أكدت تليفونيًا على المشتري كل الشروط، ولكنه عندما حضر، هو وثلاث من أقاربه بجلابيبهم الريفية الفضفاضة بدئوا يفاصلون من أول وجديد، وأغضبني هذا التصرف، ولكنني أفهمتهم سريعًا أن الأمر لا يحتمل أي فصال، وبدأنا نكتب عقد البيع الابتدائي.
نظر المشتري إلى كتبي فوق المنضدة وقال “عندي طلب يا دكتورة، عايزين من


الكتب دي” وشاور على كتب “أنا ونحن”، ابتسمت وقلت له “ما عنديش مانع على شرط تقرؤوها، وتعملوا باللي فيها، وخذ كمان كتاب “مخاطر التلفزيون على مخ الطفل”، ما فيش ناس كثير يعرفوا خطر المشاهدة الطويلة للأطفال للتلفزيون”، فأكد لي أنه يضع التلفزيون في الدور الأعلى من المنزل وأن أطفاله لا يشاهدونه.
وبعد قليل، أخذ يتصفح كتب أخرى على المنضدة ، وأنا متأكدة أنه لن يفهم فيها شيئًا، لأنها كتب باللغة الإنجليزية كنت قد اشتريتها من الولايات المتحدة وتقدم أفكارًا جديدة في التعليم. تصفح المشتري الكتب ثم نظر إلى، وقبل أن يقول شيئًا قلت له “لا، الكتب دي غالية، دي أنا جايباها من أمريكا”، فتركها، وبعد قليل قال مشاورًا إلى كتب “أنا ونحن” و”مخاطر التلفزيون” التي كنت قد أعطيتها له،” بس الكتب دي ما تكفيناش، ده أنا عندي 8 عيال، وأخويا عنده 5 بنات”، قلت له “أنا لا احتفظ في المنزل بنسخ كثيرة من كتبي، ثانيًا إحنا بنتكلم دلوقت في آلاف الجنيهات”، فسكت، وأنهينا العقد.
وبعد أن رحل المشتري مع أقاربه تفكرت في معنى المناقشات الجانبية عن كتبي. هو يحاول أن يأخذ كل ما يستطيع أن ياخذه، ما يحتاجه، وما لا يحتاجه، ولا يهتم إذا كان لا يحتاجه. كنت أشعر أنه يريد أن يطفئ نهم يأكله من الداخل، نهم يدفعه أن يأخذ، أن يتملك أشياء مادية لا يحتاج إليها.
وليس هذا الموقف بفريد، بل هو كثير الحدوث ويحدث في ظروف مختلفة، ففي بوفيهات الأفراح تجد الأفراد يكدسون الطعام على أطباقهم، كمية طعام لن يستطيعوا أن يأكلوها كلها، والكثير منها سيذهب إلى القمامة، نهم بداخلهم يجعلهم يأخذون ما لا يحتاجونه، ويأخذون ويأخذون.
كذلك، في يوم ماضي، أحضرت إلى مكتب المؤسسة سي دي عليه معلومات عن جمعية ما، سألتني زميلة “هل أستطيع أن أنزل هذا السي دي على اللاب توب بتاعي؟” وتابع زميلها “وأنا كمان أريد أن أنزله عندي على اللاب توب”، قلت غاضبة “ماذا حدث يا أولاد؟ هذا السي دي سيبقى في المؤسسة وتستطيعوا أن تطلعوا عليه عندما تريدون، وكثير من معلوماته متواجدة على الشبكة العنكبوتية، فما سبب هذا التلهف على الاستيلاء على ما لا تحتاجونه؟”
لماذا أصبحنا نستولى بنهم على مالا نحتاجه؟ هل هذا خوف من المستقبل وعدم ثقة بما سيأتي به؟ هل هو استخسار في الآخر؟ هل هو عدم ثقة بالنفس وعدم حبها فنأتي لها بالأشياء لكي نحبها؟
تذكرت كلامي مع من اشترى سيارتي وقارنت بين ما حدث وما تعودت عليه في الحياة في الخارج. تعودت على مفاوضات، وما أراه هنا هو فصال، والفرق كبير بين المفاوضات والفصال، ففي المفاوضات كل فرد يسعى إلى أخذ ما هو مهم بالنسبة له ويترك للطرف الآخر ما هو أقل أهمية بالنسبة له ولكنه أكثر أهمية بالنسبة للآخر، وفي النهاية الكل ياخذ ما هو أكثر أهمية بالنسبة له، ويرتاح، هناك احترام للآخر، وطبعًا هناك احترام للنفس لأن الفرد لن يحترم الآخر إلا إذا احترم نفسه في المقام الأول، ولأن هناك احترام للآخر وللنفس فلا يوجد نهب وخطف، والاستيلاء على ما لا نحتاجه، والكل يأخذ حقه في حدود.
أما ما رأيته فهو فصال، وفي الفصال هناك فكرة “آخذ منك كل ما استطيع أن آخذه” وعندما يحاول المرء أن يأخذ ما لا يحتاجه فهو يقول “إللي ييجي منك أحسن منك”.
توصلت إلى نتيجة أن هذا الفصال، هذا النهب والخطف لأشياء مادية لا نحتاجها، هذا الطعام الذي نكدسه على أطباقنا ولا نحتاجه، هذا كله دليل على أنانيتنا وعدم إهتمامنا بالآخر، وعدم حبنا الحقيقي لأنفسنا.
ووصلت إلى قناعة أن مشكلتنا أننا أصبحنا أكثر مادية، وأكثر أنانية، وأقل حبًا لأنفسنا، وربما سبب ذلك أننا جعلنا الإعلام المرئي يضع لنا أولوياتنا، وأصبحنا نجري وراء سلسلة ماديات لا تنتهي. فعلينا أن نقف ونتفكر فيما نعمله، فركضنا وراء العدد الذي لا ينتهي من الماديات جعلنا أقل سعادة، وأقل حبًا حقيقيًا لأنفسنا، فلنرحم أنفسنا، ونعطيها حب.
فكرت وابتسمت: من المؤكد أن مشتري سيارتي لم يتصور أن كلامه عن كتبي سيولد هذه الأفكار!!
سهير الدفراوي المصري

5 تعليقات

  1. أسوء صفة بشرية

  2. مقال جميل

  3. المحب للناس

    لوفكرنا في الاخره وبالتالي فياالله سبحانه وتعالي لكان افضل لنا

  4. المحب للناس

    الحمد لله

  5. فيروز *حبى الحقيقى برنامج “اناونحن”*
    بالتاكيد ومن وجهة نظرى انه لايوجد انسان فى هذه الدنيا يحب نفسه الانانية
    الانسان الذى يحب نفسه يعطيها كل واهم ما تحتاجه والانسان الذى لا يحب نفسه هو من ياتى لها اشياء كثيرة ولكن لاتهمه او تفيده
    فى ثقافتنا خطا ان نحب انفسنا وتكون جريمة لانها مرتبطة بالانانية
    اضافة
    كل منا عندما يحدث له شئ لايرغب فيه اهم شئ يفعله ينظر لحكمة ما حدث

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*